الغزالي
16
الاقتصاد في الاعتقاد
الثاني : العقل المحض ، فإنّا إذا قلنا : العالم أما قديم مؤخر ، وإما حادث مقدم ، وليس وراء القسمين قسم ثالث ، وجب الاعتراف به على كل عاقل . مثاله أن تقول : كل ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ، والعالم لا يسبق الحوادث فهو حادث ، فأحد الأصلين قولنا أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث . ويجب على الخصم الإقرار به ، لان ما لا يسبق الحادث إما أن يكون مع الحادث أو بعده ولا يمكن قسم ثالث . فإن ادعى قسما ثالثا كان منكرا لما هو بديهي في العقل ، وإن انكر أن ما هو مع الحادث أو بعده ليس بحادث فهو أيضا منكر للبديهة . الثالث : التواتر ، مثاله أنّا نقول محمد صلوات اللّه وسلامه عليه صادق لأن كل من جاء بالمعجزة فهو صادق ، وقد جاء هو بالمعجزة فهو إذا صادق . فإن قيل أنّا لا نسلم أنه جاء بالمعجزة فنقول : قد جاءنا بالقرآن والقرآن معجزة ، فإذا قد جاء بالمعجزة . فإن سلّم الخصم أحد الأصلين وهو أن القرآن معجزة ، اما بالطوع أو بالدليل ، وأراد إنكار الأصل الثاني وهو أنه قد جاء بالقرآن ، وقال لا أسلم أن القرآن مما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم تسليما ، لم يمكنه ذلك لان التواتر يحصل العلم به كما حصل لنا العلم بوجوده وبدعواه النبوة وبوجود مكة ووجود موسى وعيسى وسائر الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين . الرابع : أن يكون الأصل مثبتا بقياس آخر يستند بدرجة واحدة أو درجات كثيرة إما إلى الحسيات أو العقليات أو المتواترات ، فإن ما هو فرع الأصلين يمكن أن يجعل أصلا في قياس آخر . مثاله أنّا بعد أن نفرغ من الدليل على حدوث العالم يمكننا أن نجعل حدوث العالم أصلا في نظم قياس ، مثلا ان نقول كل حادث فله سبب والعالم حادث فإذا له سبب ، فلا يمكنهم انكار كون العالم حادثا بعد أن أثبتنا بالدليل حدوثه .